أخر الأخبار

من “درع الفرات” إلى “نبع السلام”.. ما الذي تغيّر؟

من درع الفرات مروراً بغصن الزيتون وصولاً إلى نبع السلام.. كانت سيناريوهات العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي السورية متشابهة إلى حد كبير من حيث مضمونها، إذ شهدت انسحاباً لتنظيم الدولة “داعش”، ولميليشيات الحماية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” من مواقعها، وسيطرة الجيش السوري الحر بالتنسيق مع القوات التركية على تلك المناطق.

يقابل ذلك التشابه في المضمون تباين من حيث الشكل والأسباب التي دفعت التنظيم والميليشيات للانسحاب بداية من جرابلس والباب، التي تعاون فيها سلاح الجو الأمريكي مع الطيران الحربي التركي في شن الغارات الجوية، مما أدى إلى شل حركة تنظيم الدولة “داعش” في تلك المنطقة، ومن ثم الانسحاب، فكانت مناطق “درع الفرات” الخطوة الأولى على طريق إنشاء منطقة آمنة داخل سوريا، تصل جنوباً إلى تخوم مدينة حلب، وتمتد على المسافة التابعة لمحافظة حلب بين مدينة إعزاز غرباً وجرابلس شرقاً.

وبالرغم من التحفظات الروسية والأمريكية على العمليات العسكرية التركية في الشمال السوري، إلا أن حملة “درع الفرات” سارت بخطى ثابتة وحققت أهدافها في طرد تنظيم الدولة “داعش” من منطقة الشريط الحدودي، وجاءت عملية “غصن الزيتون” لتكون متممة لها، حيث نجحت فصائل المعارضة السورية بدعم وإسناد تركي بالسيطرة على مدينة عفرين.

فضلاً عن المناطق الممتدة من أطمة غرباً وحتى مدينة أعزاز شرقاً، بعد طرد ميليشيات الحماية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” من تلك المناطق، وبذلك اتصلت مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب وريف محافظة حلب، بمناطق سيطرة الجيش الوطني السوري في مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون”.

في تلك الفترة، لم يكن اتخاذ القيادة التركية لقرار التوغل في الأراضي السورية سهلاً على الاطلاق، بل كان صعباً تلفّه تعقيدات المنطقة وحساسيتها بالنسبة للاعبين السياسيين ومصالحهم وتوجهاتهم، لكن تلك العمليات تمت وحققت أهدافها المرسومة، دون وجود أي عقبات تذكر أو مضايقات ملموسة تعرض لها الجانب التركي من المجتمع الدولي عموماً، والجانبين الأمريكي والروسي على وجه الخصوص.

نبع السلام والجدال الأمريكي التركي

أما فيما يتعلق بعملية “نبع السلام” فيمكن القول إن قرار اطلاق تركيا للعملية شرق الفرات في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة كان من أدق وأخطر القرارات التي اتخذها الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” خلال مراحل النزاع في سوريا، نظراً للمخاوف التي أبدتها الولايات المتحدة الأمريكية وعدم تعاونها وتنسيقها مع القوات التركية في تنفيذ العملية، ناهيك عن تنديدات معظم دول الاتحاد الأوروبي للعملية، وانتقادات العديد من دول العالم العربي عبر بيان صادر عن مجلس جامعة الدول العربية.

تلك الانتقادات والتنديدات لم تثنِ تركيا عن مواصلة عمليتها العسكرية شمال شرق سوريا، حيث بدى التصميم على متابعة العملية حتى تحقيق أهدافها واضحاً من خلال تصريحات المسؤولين الأتراك منذ اليوم الأول لانطلاقها، إلا أن ما آثار الاهتمام حينها هو الموقف الأمريكي المتخبط حيال العملية العسكرية التركية “نبع السلام”، فتارةً أبدت الإدارة الأمريكية تفهمها للدوافع التركية، وتارةً أخرى ضربت موقفها السابق بعرض الحائط، وأعلنت أنها ستدمر الاقتصاد التركي في حال استمرار القوات التركية بالتوغل شرقي الفرات.

في تلك الأثناء ازدادت العلاقات التركية الأمريكية توتراً بعد فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على تركيا مساء يوم الثلاثاء 15 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، وذلك بسبب تنفيذ عملية نبع السلام في سوريا، حيث أدرجت كل من وزارة الدفاع ووزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركيتين على لائحة العقوبات الأمريكية الجديدة.

المشهد على الساحة السورية بعد توقف عملية “نبع السلام”

الآن وفي نظرة سريعة على المشه السوري بعد توقف عملية نبع السلام، نرى بوضوح تمدد النفوذ الروسي ليصل إلى عدة مواقع بالقرب شرقي الفرات منها مدن الحسكة والقامشلي والعديد من الأرياف والمناطق التابعة لهما، كما سيطرة القوات الروسية على القواعد العسكرية التي أخلتها الولايات المتحدة الأمريكية بالقرب من عين العرب وصرين شمال شرقي سوريا، كما عززت روسيا تواجدها هناك بالسيطرة على مطار القامشلي وإرسال عدد من طائراتها لتحمي تواجدها في تلك المنطقة.

كما أن الجانب الروسي استغل الجدال الأمريكي التركي، وفتح قنوات للتواصل بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ونظام بشار الأسد، في محاولة لوضع موطئ قدم شمال شرق سوريا، حيث توجد المناطق الغنية بالثروات الباطنية والنفط، تلك الثروات التي تضع الكثير من الدول أعينها عليها، وعملائها وجواسيسها في أماكن تواجدها، مما يفسر ردود الأفعال الدولية الغاضبة والمتواترة على التوغل التركي في هذه المنطقة تحديداً، دون أن نشهد ذلك في العمليات التركية السابقة شمال سوريا ضمن مناطق عمليات “درع الفرات” و “غصن الزيتون”.

موقف أمريكا والنظام السوري

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإنها قررت بشكل واضح وصريح أن تبقي على عدد من قواتها شمال شرقي سوريا بهدف حماية حقول النفط، وعدم السماح لروسيا أو لإيران أو لنظام الأسد بالسيطرة عليها والاستفادة من عائداتها، هذا التواجد الأمريكي وإن كان بأعداد قليلة لكن من شأنه أي يغيّر قواعد اللعبة، وكأن واشنطن تقول لجميع الأطراف أنها مازالت متواجدة على الساحة السورية، وأن بإمكانها قلب الطاولة على رؤوس الجميع في حاول أي طرف أن يقترب من مصالحها أو يؤثر بشكل أو بآخر على الرؤية الأمريكية للأوضاع في سوريا.

في حين يبقى النظام السوري بلا ناقة  ولا جمل في كل ما يجري على الأراضي السورية، وليس بمقدوره أن يحرك ساكناً، ولا من ضمن صلاحياته سوى تنفيذ الأوامر، فهو نظام أتقن كيف يكون متفرجاً بارعاً على انتهاك السيادة الوطنية السورية، إذ يكرر رأس النظام السوري “بشار الأسد” الأسطوانة المشروخة ذاتها في كل مرة تتعرض فيها سوريا لتدخلات خارجية أو ضربات جوية مجهولة المصدر (إسرائيلية)، فيحتفظ بحق الرد الذي لا يأتي أبداً، ويتوعّد بالمواجهة التي لم ولن تحدث على الإطلاق.

مهما يكن إلا أننا لا يمكن أن نغفل عن أمر بالغ الأهمية، هو أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية بنيت خلال العقد الماضي على الرغبة العارمة بافتعال الفوضى، ولا شيء سوى الفوضى الخلاقة في المنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص، الأمر الذي بدى جلياً من خلال متابعة مواقف وأفعال قيادتها السابقة برئاسة أوباما، والحالية بزعامة ترمب حيال الثورة السورية، وثورات الربيع العربي بشكل عام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: