أخر الأخبار

كان قاطعاً للطريق فهداه حفيد عثمان بن عفان.. الشاعر “مالك بن الريب” الذي أحس بدبيب المـ.ـوت فرثى نفسه بقصيدة خلدها التاريخ

الشاعر “مالك بن الريب” الذي خلده التاريخ بقصيدة ألقاها في رثاء نفسه، إذ شكلت تلك القصيدة العلامة الفارقة في شهرته كشاعر، حيث كان جل ما يعرف عنه قبل قصيدته الشهيرة أنه كان يعمل في قطع الطرقات.

فهو ينتمي إلى أسرة عادية، ونسبه ليس من سلالة الوجهاء وأصحاب الثروة، بل ترعرع في بيئة فـ.ـقيرة، ويقال أن مالك بن الريب كان شاباً وسيماً قوي البنية، فضلاً عن شجاعته وإقدامه، وإتقانه فنون القـ.ـتال.

مالك بن الريب شاعر من شعراء الإسلام بزغ نجمه في أوائل العصر الأموي، حيث كانت الدولة الإسلامية في تلك الآونة تتوسع بفضل فتوحاتها التي عايشها “مالك”.

ويذكر الكثير من المؤرخين أنه كان من الممكن أن يكون قائداً عظيماً في ذلك الزمان لولا توجهه إلى اللصـ.ـوصية وقطع الطرقات، وذلك لما عرف عنه من شجاعة وإقدام.

نشأته وعمله في قطع الطرقات

مالك بن الريب بن حوط بن قرط بن حسل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن عمرو بن تميم، وكان يكنى بأبي عقبة، وهو من الشعراء العرب الذين عاشوا في بدايات العصر الأموي، وافـ.ـته المـ.ـنية عام 60 للهجرة (680 للميلاد).

عندما كان في بداية شبابه وجد “مالك بن الريب” نفسه أمام واقع مرير، إذا كانت عائلته فقـ.ـيرة ولديه طفلة صغيرة، وأم كبيرة في العمر، ولم يكن يستطيع أن يؤمن لهم قوت يومهم، فلم يجد “مالك” وسيلة لتحسين وضعه سوى العمل قاطعاً للطريق يسـ.ـرق أموال الناس عنـ.ـوةً.

ولتحقيق ما يصبو إليه، قام مالك بن الريب بتشكيل عصـ.ـابة تزعمها بنفسه، ويقول المؤرخون أن عدد أفراد العـ.ـصابة خمسة، وفي روايات أخرى أقل من ذلك.

لكن جميع المؤرخين قد أجمعوا أن كافة أفراد العـ.ـصابة كانوا من الرجال الأشداء والأقوياء، وقد ذاع صيتهم في تلك الآونة بسبب تروعـ.ـيهم للناس.

ووصلت أخبارهم إلى ولاة أمر المسلمين الذين أمروا باستئـ.ـصال العـ.ـصابة، لكن جميع مساعيهم باءت بالفشـ.ـل، وبقيت العـ.ـصابة تمارس نشطاتها دون الالتفاف إلى تلك الدعوات. 

وكان من بين أفراد العـ.ـصابة شخص يدعى “شظاظ الضبي”، وهو من أكثرهم شهرة وصيتاً، حيث كان يضـ.ـرب به المثال قديماً: (ألـ.ـص من شظاظ)، وتذكر كتب التاريخ أن جميع الأفراد كانت أشكالهم غير محببة باستثناء “ملك بن الريب” الذي كان جميل الوجه وحسن المظهر وفارساً شجاعاً من أقوى الرجال في زمانه.  

توبة “مالك بن الريب”

من أبرز المحطات في حياة الشاعر مالك بن الريب هو لقائه مع سعيد بن عثمان بن عفان الذي كان له دور بارز في توبة “مالك”، وتحوله من طريق اللصـ.ـوصية إلى السير على طريق الجهاد والفتوحات.

وقد تم اللقاء بين سعيد بن عثمان ومالك بن الريب أثناء توجه سعيد من المدينة إلى البصرة قاصداً الذهاب إلى خراسان التي عيّنه معاوية بن أبي سفيان والياً عليها.

وتوثق كتب التاريخ الحديث الذي جرى بينهما عند لقائهم خلال عام 56 للهجرة، إذ استدعاه سعيد بن عثمان وسأله عن الأسباب التي دعته للعمل في قطع الطريق وتـ.ـرويـ.ـع الناس وسـ.ـرقة أموالهم، والقيام بأعمال تخالف مبادئ الإسلام وتغـ.ـضب الله عز وجل.

فأجابه مالك بن الريب حينها.. إذا لم أقطع الطرقات، فماذا سأعمل؟.. فرد عليه سعيد بقوله: رجل مثلك حسن المظهر وبهي الطلعة، ولا يختلف اثنان على فروسيته.. كيف تصبر على نفسك وقد تحولت من فارس إلى لـ.ـص يسـ.ـرق أموال الناس ويروعـ.ـهم؟.

هنا قال “مالك” لم أختر هذا الطريق إلا لعجـ.ـزي عن تأمين لقمة العيش لعائلتي الكبيرة، وقد سمعت عن أحد الصحابة قوله: “أعجب من رجل لا يملك قوت يومه.. وكيف لا يخرج على الناس شـ.ـاهراً سيـ.ـفه؟”.

في ذلك الحين قال له سعيد بن عثمان، إن الوقت قد حان للعودة إلى الطريق الصحيح، وبإمكانك يا مالك أن تكون فارساً من فرسان الفتوحات.. فقال مالك: كيف يكون ذلك وأنا لـ.ـص أقطع الطرقات.

فرد عليه سعيد قائلاً: التوبة طريقك للعودة جادة الصواب، وإن الله غفور رحيم يقبل توبة التائبين.. عندها أعلن مالك بن الريب توبته وأبدى استعداده للانضمام إلى صفوف الفرسان ومشاركاتهم في الفتوحات برفقة القائد سعيد بن عثمان.

مشاركته في الفتوحات وقصيدته الشهيرة التي رثـ.ـى نفسه فيها

نجح سعيد بن عثمان بتحويل مالك بن الريب من الضـ.ـلال إلى الهدى، وغيّر مسار حياته من اللـ.ـهو والعبـ.ـث إلى الهداية الواعية، ليصبح “مالك” بعد ذلك فارساً يتمثل بخلق الفروسية، حيث شارك في فتح سمرقند، بالإضافة إلى العديد من المناطق المحيطة بها.

وبعد هدوء الأوضاع في تلك المنطقة، وتمكن المسلمين من تثبيت أقدامهم هناك، عاد القائد سعيد إلى المدينة التي كان والياً عليها، واصطحب معه “مالك بن الريب”، وأثناء عودتهم وتحديداً في وادي الغضى، يقول أغلب المؤرخون أن “مالك” تعرض للـ.ـدغـزـة أفـ.ـعى سـ.ـامة تعـ.ـب على إثرها كثيراً وبدأ يشعر بدنو المـ.ـوت منه.

فيما هناك روايات أخرى تذكر أن مـ.ـرضاً غريباً قد أصـ.ـابه، وجعله يدرك أنه مقدم على المـ.ـوت، لكن مختلف الروايات قد أجمعت على أن القصيدة التي رثـ.ـى فيها نفسه في تلك اللحظات، كانت من بين القصائد الفريدة التي اعتبرها البعض من أرقى قصائد الرثـ.ـاء عبر التاريخ.

في ذلك الوقت وحين أدرك سعيد أن “مالك” مـ.ـيت لا محالة، قرر أن يترك معه رجلين حتى يخدماه أثناء مـ.ـرضه واحتضــ.ـاره، هذان الرجلان هما من قاما بتدوين القصيدة الفريدة التي خلدها التاريخ.

ويحكى أنه وأثناء إلقاء مالك بن الريب”للقصيدة على مسمع الرجلين، قالا له في محاولة منهم لمـ.ـواسـ.ـاته، ما الذي يجعلك حـ.ـزيناً يا مالك.

فأجابهما: أشد ما يجعلني حـ.ـزيناً هو تذكري لابنتي التي كانت لا تريديني أن أذهب بعيداً عنها حتى لا يطول غيابي أو أمـ.ـوت ولا تراني.. وها أنا ذا أغيب عنها إلى الأبد، وها هو المـ.ـوت يحول بيني وبين رؤيتها.

فقال له الرجل الذي كان يدوّن القصيدة، ربما تراها يا مالك.. مازلت على قيد الحياة، عليك عدم اليـ.ـأس من رحمة ربك.. فرد عليه مالك حينها بقوله: “أنا أشعر بدبيب المـ.ـوت يدنو مني.. والمـ.ـوت ربما هو الرحمة بالنسبة لي”.

أدرك الرجلان أن مالك سيمـ.ـوت عما قريب، وكان من بين الأمور التي تعجبا منها هو حرص “مالك” على نظم أبيات الشعر وهو يحتضـ.ـر، حيث قام بنظم قصيدة رثـ.ـى نفسه فيها، إذ كانت هذه القصيدة سبباً بشهرته كشاعر.

حتى أن من يريد البحث عنه وعن أشعاره، قد يبدو له للوهلة الأولى أنها القصيدة الوحيدة للشاعر مالك بن الريب، وفي ما يلي أترككم مع بعض أبيات قصيدته الفريدة التي تحمل في طياتها كثيراً من الإبداع والرقي:

مطلع القصيدة:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة.. بوادي الغضى أزجي القلاص النّواجيا
فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه.. وليت الغضى ماشى الركاب لياليا

إلى قوله:
تقول ابنتي لما رأت طولَ رحلتي.. سِفارك هذا تاركي لا أبا ليا
تذكرتُ من يبـ.ـكي عليّ فلم أجد.. سوى السـ.ـيف والرمح الرُّدَيْنِي بـ.ـاكيا


وأشقر محبوكا يَجُرُّ عنانه.. إلى الماء لم يترك له الدهرُ ساقيا
ولكن بأكناف السُّمَيْنَةِ نِسْوَةٌ.. عَزِيزٌ عليهن العشيةَ ما بيا


صَـ.ـريعٌ على أيدي الرجال بِقفرةٍ.. يُسوُّونَ لَحدِي حيث حُمَّ قضائيا
ولما ترَاءَت عند مرْوٍ منيـ.ـتي.. وخَلَّ بها جسمي وحانت وفـ.ـاتيا


أقول لأصحابي ارفعوني فإنه.. يقر بعيني إن سهيْلٌ بدا ليا
خُذاني فَجرَّانِي بثوبي إليكما.. فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا


وكنت عطَّافا إذا الخيل أدبرت.. سريعا لدى الهيجا إلى من دعانيا

ويختم القصيدة قائلاً:
وبالرمل منا نسوة لو شهدنني.. بـ.ـكين وفدّين الطبيب المداويا
وما كان عهد الرمل عندي وأهله.. ذميما ولا ودّعت بالرمل قاليا


فمنهن أمي وابنتاي وخالتي.. وبـ.ـاكيةٌ أخرى تهيج البـ.ـواكيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لنمنحك تجربة أفضل، لمزيد من المعلومات طالع سياسة الخصوصية طالع سياسة الخصوصية

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close